عبد السلام مقبل المجيدي
107
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
وليس المراد من النزول على القلب ما استدل به قوم راموا أمرا ما هم ببالغيه ، فادعوا أن القرآن إلهام وقذف روحاني بدليل الآيتين المذكورتين ؛ إذ العرب تستعمل النزول على القلب ، وتكليم القلب ، وتكليم الصدر ، وحفظ الصدر . . . ونحو ذلك في الحفظ والضبط والوعي والفهم لا في نفي السماع ، كما قال أبو ذر رضى اللّه عنه : ( ما ترك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا مما صبه جبريل وميكائيل عليهما السلام في صدره ، إلا قد صبه في صدري ، وما تركت شيئا مما صبه في صدري ، إلا قد صببته في صدر مالك بن ضمرة ) « 1 » . ولعل من أعظم أسرار قوله تعالى عَلى قَلْبِكَ غير ما تقدم ، أن القرآن الكريم لا ينساه النبي صلى اللّه عليه وسلم نسيانا كليا كما روى ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون أنه بلغه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : ( كان الوحي يأتيني على نحوين : يأتيني به جبريل فيلقيه علي كما يلقي الرجل على الرجل فذلك ينفلت مني ، ويأتيني في شيء مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي فذاك الذي لا ينفلت مني ) وقال ابن حجر - رحمه اللّه تعالى - : " وهذا مرسل مع ثقة رجاله ، فإن صح فهو محمول على ما كان قبل نزول قوله سبحانه وتعالى لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ، فإن الملك قد تمثل رجلا في صور كثيرة ، ولم ينفلت منه ما أتاه به ، كما في قصة مجيئه في صورة دحية ، وفي صورة أعرابي ، وغير ذلك ، وكلها في الصحيح " « 2 » . وباعتبار أن الوحي القرآني كان شديدا ، والنوم راحة لا شدة فيه ، يطرح سؤال على ميدان البحث : هل أوحي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم شيء من القرآن مناما ؟ والجواب : أن الظاهر من السمات العامة التي تقدمت أن ذلك لم يحدث ، لما يتطلبه الوحي القرآني من استعداد وشدة .
--> ( 1 ) المعجم الكبير 2 / 149 ، مرجع سابق . ( 2 ) فتح الباري 1 / 19 ، مرجع سابق .